
بقلم عبد الرحمن الميعان
تجديد الثورة
بعد عامين من الثورة السورية، أي في عام 2013، كتب د. أكرم حجازي ما نصه:
(تبدو الثورة السورية كجوهرة ثمينة لا يدرك أحد قيمتها. ويبدو أن السوريين، أكثر من غيرهم، لا يريدون أن يصدقوا ما يفعلون! والحقيقة أن ما حققوه في عام ونصف يفوق ما حققته كل قوى الأمة منذ تقسيم العالم الإسلامي إلى يومنا هذا. فللمرة الأولى (1) تشعر كافة القوى الدولية والإقليمية أن بنية النظام الدولي تهتز بشراسة، و (2) تنذر بخطر عظيم يتهدده ويتهدد كل ما شيده طوال عقود مديدة. (3) ولأول مرة تستفيق الأمة على حقيقة مدى خطر المشروع «الصفوي» في تحالفه مع المشاريع «الصليبية» و «الصهيونية» ضد الأمة والدين، في حين أن قطاعات واسعة من الأمة، وإلى حين وقوع الثورة السورية، لم تكن تصدق أن الشيعة يمكن أن يكونوا خطرا بقدر ما كانت تدعو لـ «حزب الله» الذي ” رفع رأس الأمة عاليا”.) أ.ه
إذن وبالخط العريض، قد تكون الثورة السورية، أخطر ثورة وحراك اجتماعي في تاريخ العالم الحديث، إن لم يكن في تاريخ العالم، أو من أخطر الثورات إن صح التعبير!
ذلك أن غاية الثورات التحرر من الاستبداد، أيا كان شكله ومكانه وزمانه وأشخاصه، ولكن أن تكون ثورة هي مرتكز اهتزاز النظام العالمي، ويتهدد كل شيء فيه، أركانه وقوائمه بل حتى مواثيقه، فذلك ما لم يكن!
وفوق هذا وذاك، فالثورة السورية، الكاشفة الفاضحة، قد كشفت النظام العالمي وشراسته، ضد أي حراك سني قوي قد يؤثر في المنطقة، ويخلق كيانا جديدا لهم، بعيدا عن الاستبداد والظلم، لهذا نجده قد انتفض وغاب عن الوعي، ليعود ويعرف الحقيقة، أن هناك من يريد الخلاص من قبضة النظام العالمي برمته!
وهي كشفت النظام العربي، ومخاوفه من انطلاق الشعوب نحو الحرية ومكافحة الاستبداد، وهي كذلك كشفت مما لا يدع مجالا للشك، القدرة على توظيف الرافضة والباطنية، ومعهم سلاح المليشيات، مع قدرة النظام العالمي على غض الطرف عنهم بقيادة إيران، ما داموا يعيثون بأرض العروبة والإسلام فسادا، وقد صدق “طوفان الأقصى”، هذه المقولة وغيرها من مقولات، فلم يكن ثمة حقيقة في الدفاع عن فلسطين، ولا غزة ولا القدس، وكشف كل هذا البنية الفكرية والعقدية للبعض ومنهم التيار الإسلامي (السياسي) و(الحركي) بخاصة، وهشاشة تفكيرهم عندما وقفوا سدا منيعا أمام أي نقد أو إتهام لقوى إيران في المنطقة، فضلا عن إيران نفسها، بل البعض قد زور التاريخ، ليظهر تاريخ “الرافضة” ناصعا أبيض، ممزقا كل صفحات التاريخ وطاويا كل ملفات العقيدة!
لهذا وغيره، تمكن هؤلاء وغيرهم، من تقريب العقل السني، ليتواءم مع الفكر الباطني والشيعي اليوم! وكشف كل ذلك، وبعده طوفان الأقصى سذاجة التفكير السني، و”طيبته”، وسهولة خداعه، لكن هذه الثورة، اليوم، ولله الحمد أسقطت تلك المقولات برمتها وارتد الكثيرون لفهم الموضوع من خلال العقيدة لا السياسة!
وبقي البعض في المستنقع لن يخرج منه أبدا!
عود على بدء:
يعود د. أكرم لتذكيرنا بما كان آنذاك، فاليوم:
(يخوض «المركز» كما إيران و «حزب الله» و «إسرائيل» معاركهم الأخيرة في سوريا.) معاركهم الأخيرة وقد صدق! فقد بات واضحا بأن الحزب، ومعه كل أظفار إيران ستقلم في المنطقة، وسيكون انحسار كبير للمشروع الإيراني في العالم، وقد تكون الفترة القادمة فترة سنية بامتياز، وتلك أقدار الله تعالى وسننه!
ويعلل الكاتب، تلك الصراحة ونزع القناع، وترك التقية بقوله: (لم يعد ثمة تقية (1) في أن يحاصر «المركز» الثورة و (2) يعلن صراحة رفضه لتسليحها خشية المساس بـ «الطائفة العلوية»، و (3) يصر على الاحتفاظ بالنظام وكافة مؤسساته الدموية، و(4) العمل على اختراق الثورة والتربص بالمجاهدين فيها؛
ولم يعد ثمة تقية (5) حين يعلن الإيرانيون أن معركتهم في سوريا هي معركة طهران، وأنهم سيحتلون الكويت إذا سقط النظام، و(6) أنهم يشاركون في حماية النظام وغرف العمليات المشتركة، و(7) يفتون بوجوب الجهاد في سوريا حتى لا تسقط بيد «النواصب»، وهم الذين لم يخوضوا جهادا في كل التاريخ الإسلامي بقدر ما تحالفوا مع الغرب على إسقاط البلدان الإسلامية والنزول مع القوات البرتغالية على شواطئ الجزيرة العربية لاحتلال مكة؛ ولم يعد ثمة تقية لدى
« حزب الله» وزعيمه (8) حين يتحدى ويهدد الثورة بالحرب إذا لم تطلق سراح المختطفين من عملائه في سوريا، و (9) يعلن صراحة، كما النظام الطائفي، أن الثورة السورية ليست سوى مجموعة عصابات متآمرة على نظام « الممانعة والمقاومة» الذي قتل عشرات الآلاف وشرد الملايين وانتهك الحرمات ودمر سوريا، وكلاهما لم يطلق طلقة واحدة باتجاه « إسرائيل» حين كانت تذبح غزة على مرآى من عينه وعين الأسد؛
ولم يعد أيضا ثمة تقية (1) لدى «إسرائيل» وهي تجاهر بخشيتها من سقوط «ملك ملوك إسرائيل»، وتسمح له بتحريك فرقه وطائراته ومدافعه وصواريخه ودباباته على بعد كيلومترات من حدودها)…
ويكأن التاريخ يعيد نفسه!
وما أشبه الليلة بالبارحة، ولكن مع فارق جوهري جدا، تجلى في تحطيم النظام الطاغوتي ومعه كل مرجعياته الفلسفية والطائفية والغربية!
إن هذه الكلمات التي سطرها د أكرم حجازي بقلمه المتابع لكل صغيرة وكبيرة لما يجري في العالم، فضلا عن الثورة في سوريا منذ قيامها لحد الآن، لهي كلمات تدل على عمق الوعي والفهم لكل ما جرى ويجري، لهذا فما كتبه، إنما هو كلام واع متابع يدرك كل كلمة يكتبها، وكل كلمة يسطرها! ولا بد من قراءة وإعادة ما كتب هو وغيره، من كتابات كانت تمس واقع الثورة، وعلاقاتها مع النظام العالمي بكل قواته وأطروحاته، وفلسفته! وما لم نفهم ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وما آل إليه، بالتأكيد لن نفهم، ولن نستوعب ما آلت إليه الأمور، وما ستؤول إليه كذلك، وكيف!
سوريا قلب الصراع
ولكن ألا يحق لنا أن تساءل التساؤل المشروع، لماذا سوريا؟ ولماذا الشام؟ وما أهمية الشام بالنسبة للعالم الإسلامي، بعامة والعربي بخاصة؟ إن الإجابة تبدو سهلة وبسيطة، ومنها كما هو الواقع:
1-خوف العالم من حكم الإسلام:
سلطت الأرض برمتها أسلحتها الفتاكة، وكثرت مؤامراتها على الإسلام، فتارة يسمى الإسلام السياسي، وتارة الإرهاب، ومرة داعش والقاعدة، والفصائل المعارضة وغير ذلك من مسميات ما أنزل الله بها من سلطان، كل ذلك لصرف الناس عن المفهوم العام للإسلام، ولتشويه معنى “الجهاد” في الإسلام، ومن ثم لتوطيد الدكتاتورية وحكم الفرد في العالم العربي.
وتمكنت هذه القوى من شيطنة التيار الإسلامي باسم الإخوان والقاعدة وداعش، بينما تركت العنان لإيران وأذرعتها تعيث فسادا في ديار المسلمين، ولم تخف بهجتها ومباركتها للدور الإيراني وعبثها في اليمن وسوريا والعراق، ولم يتحرك لها جفن من المجازر والأهوال التي أصابت السنة من الدور الإيراني، ولكن بعد غزة سقط المشروع الغربي، وسقط معه المشروع الإيراني، وسيسقط المشروع الصهيوني لا محالة!
نعود مرة أخرى إلى ما كتبه المفكر د. أكرم حجازي في مقالته:” هوية الثورة وخياراتها والمؤرخة بتاريخ: 25/7/2012، والتي ذكر فيها تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف
(لإذاعة «كومرسانت إف إم – 21/3/2012» ، والذي قال فيه: « إنّ الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا،
فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنِّي في سوريا، ولا تراودني أي شكوك بهذا الصدد»،)، الخوف من نظام سني في المنطقة قد تتعاون معه بعض النظم!! والكثير من الشعوب المتطلعة للحريات والمشتاقة لطيور الفضاء الواسع! …… حماية النظام الدولي، بحماية الطائفة، وصناعة سد منيع يحول دون الوصول لحكم سني، ويحول دون ربط المنطقة بعضها ببعض، والتعاون مستقبلا لتدمير إسرائيل وكل قوى الشر!!!!
لو سقط الأسد!!!
ولكن ماذا لو سقط الأسد فعلا!!
ستسعفنا المقالة الآنفة الذكر، يكتب د. أكرم قائلا:
(في مقالة له نشرتها صحيفة الواشنطن بوست 19/7/2012 بعنوان: « دعوة واشنطن للتخطيط لما بعد الأسد» كتب ديفيد إغناتيوس يقول: « إن واشنطن لا تزال ترغب في مساعدة موسكو في إدارة انتقال سوريا»، وإن الرئيس باراك أوباما يسعى لـ « انتقال للسلطة مسيطر عليه»، عبر (1) « الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد بأسرع وقت ممكن»، و (2) « إنجاز ذلك بدون تبخر سلطة الدولة»)، المطلوب بالنسبة للأمريكان، حماية النظام العالمي، حيث لا مانع من انتقال السلطة، ولكن بشروط، (1) انتقال مسيطر عليه!!! لماذا؟ سنفهم بعد ذلك لماذا! (2) الإطاحة ببشار، لا بالنظام، وأيضا بأسرع وقت!!! هل يعني هذا أنهم يملكون القدرة على ذلك؟ أم أنهم يوعزون لمعاونيهم بهذه النصائح!! وهل يحتاجون إلى وقت للتغيير؟ أم الأمر بيدهم، وهم في عجلة من أمرهم!
والغريب (3) منع تبخر السلطة! أي سلطة؟ سلطة النظام أم سلطة الطائفة؟ وهل بينهما فرق؟ أم هما متماهيان؟ كل هذا يجعل الروس والأمريكان مترددين كثيرا، للإقدام على هذا الحدث الكبير!
بل قل إن كل هذا لم يحدث، فلا بشار أزيح، ولا الطائفة تغيرت، وبقي النظام وبقيت الطائفة!!!!
ولفهم موقف الأمريكان، تجيب المقالة بأن(«المسؤولين الأميركيين يحذرون من أنه كلما أصبح الوضع أكثر عنفا فإن الباب لتعاون دولي فعال ربما يتم إغلاقه» )!!! عبارة غامضة جدا، لربما تكشف لنا الأيام هذا الخوف، والمغزى من تعاون دولي فعال!!!!
تخوف أمريكي مريب، سقوط واستبدال، ولكن على رغبة واشنطن، الواقفة على رأس النظام العالمي، والموزعة التركات على جماعتها، بحدود، وكما الأمريكان، فإن الروس كذلك (أمناء على أمن النظام الدولي وشركاء في حمايته وخبراء في التعامل معه وليسوا هواة أو انتهازيين أو بلهاء أو طائفيين كما يحلو للبعض أن يثرثر!!! ورغم ما بدا من مراوغات سياسية وإعلامية، فيما يتعلق بمصير الأسد، إلا أن الروس، كما الغرب، أعلنوا أكثر من مرة أنهم لا يأبهون لبقاء الأسد من عدمه في السلطة. وصاروا، ولمَّا يزالوا، أشد وضوحا من الغرب فيما يتعلق بمصير النظام الدولي وليس بمصير الأسد. فبعد تصريح لافروف قال الناطق الرسمي باسم الخارجية الروسية، الكسندر لوكاشيفيتش، في مؤتمر صحفي عقده بموسكو 21/6/2012: « من الواضح تماما أن الوضع السوري مرتبط بأسس النظام العالمي المستقبلي، وكيفية تسوية الوضع ستحدد إلى حد كبير كيف سيكون هيكل نظام الأمن الدولي الجديد والوضع في العالم عموما». وردا على التصريحات الغربية التي أعقبت بيان مؤتمر جنيف في 30/6/2012، واتهام روسيا بالتمسك بالأسد قال ألكسندر أورلوف، السفير الروسي في باريس(20/7/2012)،: } إن ما تدافع عنه روسيا ليس نظام بشار الأسد، « لكنه النظام الدولي….)…كما ذكرنا الثورة السورية، حدث ضخم لم يعرفه الكثيرون!
ما الذي تغير إذن، اليوم تحديدا!
إن ما حدث اليوم -في تصوري-يعد مفاجأة، ليس لعالمنا العربي، بل للعالم برمته، ومنه الولايات المتحدة وروسيا، ذلك أن الأخيرتين، لم تتصورا تساقط قوى النظام، والقوى المساندة له، بل لم تتصور أن تحتل سوريا من قبل “الفصائل” من كل أرض سوريا تقريبا ودون قتال يذكر[1]، ولهذا كانت العناوين الكبرى (لماذا سقطت قوى الجيش السوري بهذه السرعة! ولماذا انهار الجيش السوري؟ )، والكل يحاول تفسير هذه الظاهرة!!!! لأنها عدت ظاهرة غريبة من قبل مفكري الغرب والروس! ينبغي مدارستها[2]!
ليس معنى هذا أنه لم تكن ثمة تفاهمات على أرض الواقع، وبخاصة من قبل تركيا والولايات المتحدة على أقل تقدير، ولكنني أعني سرعة السقوط، وسرعة التوغل، وإن كنت أرى أن (هيئة تحرير الشام)، قد تجاوزت التفاهمات لما رأت هذا السقوط والقدرة على التوغل بدون مقاومة[3]، والله أعلم.
أضع هذا الكلام هنا لأهميته أولا، وليأخذ الأخوة في سوريا حذرهم، ويركزوا انتباههم على ما حدث، وما يحدث وما سيحدث، لأنها سلاسل مترابطة، لا نستطيع قطع سلسلة عن الأخرى!
وكي لا نظن أن أعمدة الشر والتآمر قد أغلقت عيونها وذهبت لتستريح من عناء التآمر والسعي لتدمير الأمة وما جاورها!
بل لابد أن “خذوا حذركم” تكون هي القاعدة وهي القضية التي لا يجوز إغفالها مهما سارت الأمور، وفي أي اتجاه!
ضعفت روسيا وانشغلت بمحور الحرب مع الغرب في أوكرانيا[4]، وتشتت شمل “حزب الله” وبقيت آثامه في سوريا والعراق، ودار الحديث حول الحوثي في اليمن، فهذه كلها أسباب ومن فوقها تصريف الله تعالى للكون، وخلقه للسنن، ومنها “سنة التدافع”، و”التمكين” و”الظلم” و”الاستبدال”، وما من شك أن أصحاب المؤامرات والمنهزمين نفسيا، أمام قوة الغرب والشرق، ليرون أن هذا الحدث الجلل، خير مثال لتطبيق نظريتهم ورؤيتهم للمؤامرة، وهم بذلك ينزعون أي فتيل يمكن إشعاله لنهضة هذه الأمة، حيث أن هؤلاء يحتسبون كل خطوة فيها نجاة أو أمل إنما هو تخطيط غربي صرف، وأن المسلمين- والعرب منهم بالخصوص-منزوعو القدرة والتفكير فضلا عن التأثير في الأحداث، وما أدري هل يحتسبون ما وقع في غزة من باب المؤامرة كذلك!
يتبع فالمشهد لما يكتمل بعد..!
[1] -انظر فرصة تاريخية لقوى الثورة والمعارضة السورية.. نحو الترشيد والاستفادة من الدروس السابقة – مركز الحوار السوري
[2] انظر لماذا انهارت قوات الأسد على هذا النحو السريع؟ | سياسة | الجزيرة نت، وكذلك تلغراف: لماذا انهار جيش النظام السوري سريعاً ولم يدافع عن الأسد الهارب، وغيرها من المواقع
[3] -انظر بلينكن: رفض الأسد الانخراط بعملية سياسية ذات مصداقية سبب انهيار نظامه – اليوم السابع و كذلك سقوط الأسد: نهاية دراماتيكية لنظام تغيّرت حوله موازين القوى | الجزيرة نت
[4] -انظر ردود الفعل الدولية على سقوط الأسد بين الترحيب وتفادي “الفوضى” | رأي اليوم