ورود متناثرة

وهذه قطوف من هنا وهناك، يحتويها بستان السنة النبوية. كلها تشير بوضوح إلى التطبيق العملي ليسر الشريعة في عهد النبي – صـلى الله عليه وسلم – وعلى يديه، وتؤكد ما تقرر آنفًا بآيات القرآن من أن مقصود الشارع لم يتوجه قط إلى إعنات العباد:

• روى الإمام أحمد عن ابن عباس (قال “أتت امرأة إلى النبي – صـلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحُج ماشية. فقال – صـلى الله عليه وسلم – “إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئا، لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها”[1].

• عن ابن عباس (قال “بينما الرسول – صـلى الله عليه وسلم – يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال – صـلى الله عليه وسلم – “مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليُتَمَّ صومه”[2].

• دخل النبي – صـلى الله عليه وسلم – المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال “ما هذا؟”فقالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به. فقال – صـلى الله عليه وسلم – “حُلوه”، ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد[3].

هذه الأحاديث الثلاثة السابقة تدل على أن المشقة على العباد وإعانتهم وإحراجهم ليس مرادًا لله ولا داخلا في إطار المقاصد الإلهية العلية من تشريع الشرائع وإنزال الأحكام.

ثم تأمل هذين الحديثين لتدرك منهما روح الإسلام السمحة وشريعته المقتصدة المعتدلة:

• عن أنس (قال: “جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي – صـلى الله عليه وسلم -، يسألون عن عبادة النبي – صـلى الله عليه وسلم -“؛ فلما أُخبروا كأنهم تقالوها – عدوها قليلة – وقالوا: أين نحن من رسول الله – صـلى الله عليه وسلم – قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: اما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوك الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟”أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنا أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”[4].

• وعن وهب بن عبد الله رضي اله عنه قال:”آخى النبي – صـلى الله عليه وسلم – بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مبتذلة- أي تاركة ثياب الزينة- فقال ما شأنك. قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا – أي في النساء – فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما وقال له: كل فإني صائم، قال سلمان ما انا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له سلمان: نم، فنام. ثم ذهب يقوم فقال هل نم، فنام، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا. فأعط كل ذي حقه، فأتى النبي – صـلى الله عليه وسلم – فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه “صدق سلمان” [5].

ولا تعجب إذا رأيت رسولا الله – صـلى الله عليه وسلم – يخشى على أمته أن يفرض عليهم شيئا يسق عليهم، ولقد انعكس هذا الشعور النبيل الكبير على كثير من تصرفاته الشرعية، وهناك نماذج منها:

• عن عائشة (أنها قالت:”صلى النبي في المسجد – تقصد صلاة القيام – فصلى بصلاته ناس كثير، ثم صلى في القابلة فكثروا، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة فلم يخرج الأيهم، قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم”[6].

• عن أبي هريرة (قال”خطبنا رسول الله – صـلى الله عليه وسلم – فقال “إن الله كتب عليكم الحج فحجوا”فقال رجل: أكُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، ثم قال – صـلى الله عليه وسلم – “لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال “ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه”[7].

• عن أبي هريرة رضي اله عنه قال: قال رسول الله – صـلى الله عليه وسلم – “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء”[8].

فهل رأيت أنبل من هذا الشعور، إنه شعور متسق مع طبيعة هذا الدين السمح، وإنه ليوحى إلى النبي – صـلى الله عليه وسلم – بهذه المعاني الكبيرة الكُلية، ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4][9] بل إن مشاعرة هذه وحرصه هذا من جملة ا تربى عليه على عين الله تعالى ليتأهل لتبليغ هذا الدين العظيم.

وأخيرًا هذه تصريحات وتقريرات وتوصيات.

• عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله – صـلى الله عليه وسلم – “إن هذا الدين يسر، ولن يُشاد الدين واحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة”[10].

• في الصحيحين أن رسول الله – صـلى الله عليه وسلم – لما بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال لهما حين بعثهما “بشرا ولا تُنفرا ويسرا ولا تُعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا”[11].

• وفي الصحيحين عن أنس قال؛ قال رسول الله – صـلى الله عليه وسلم – “يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا”.

• وفي السنن والمسانيد هذا القول النبوي الشهير: “بُعثت بالحنيفية السمحة “ويقابله قوله “هلك المتنطعون”قالها ثلاثا[12].

• هذه المقتطفات جمعتها من بستان السنة النبوية لتكون أولا تأكيدا لتقريرات وتعقيبات القرآن السالف ذكرها، ثم لتكون ثانيا توطيدا وتمهيدا لبسط الكلام في مسألة يسر الإسلام بذكر مظاهر هذا اليسر.

ولكن قبل البسط وقبل الاستطراد في الكلام على هذه المسألة الكبيرة لابد من وقفة، بل وقفتين لتصحيح الفهم المنحرف عند كثير من الناس، حتى إذا استقام الفهم لهذه الحقيقة مضينا في البيان ونحن في مأمن من الانزلاق الفكري والشعوري.

فإلى هذه الوقفة، وهي النقطة الأخير في هذا الفصل.

[1] رواه أحمد.

[2] رواه البخاري.

[3] متفق عليه عن أنس – رضي الله عنه.

[4] متفق عليه.

[5] رواه البخاري.

[6] رواه الجماعة إلا الترمذي.

[7] رواه البخاري ومسلم.

[8] رواه مالك في الموطأ.

[9] النجم 3-4.

[10] رواه البخاري.

[11] رواه البخاري ومسلم.

[12] رواه مسلم عن ابن مسعود عن النبي – صلى الله عليه وسلم.